تجميد العلاقات

في فيلم: "Eat Pray Love" حبيب البطلة قالها: "ماذا لو تجاهلنا علاقتنا الفاشلة، ونبقى فيها على أي حال؟ سنقبل أننا نتشاجر كثيراً، وبالكاد نقيم علاقة، لكننا لا نريد أن نعيش من دون بعضنا البعض، بهذه الطريقة يمكننا أن نمضي حياتنا معاً… بائسين لكن سعيدين أننا لم نفترق."


العلاقات شيء مهم وأساسي في حياتنا، وليها تأثير كبير قوي علينا، وسواء كان التأثير ده بقى إيجابي، أو حتى سلبي، فممكن نتعلق بيها ومانبقاش قادرين نسيبها حتى لو كانت مؤذية. وبجانب إننا ممكن نكون متعلقين، ففيه ناس كمان بتخاف من الفقد أو الوحدة أو الخسارة بشكل زايد، وعشان كده بيبقى صعب عليهم ينهوا العلاقات المؤذية في حياتهم. 


بس حتى لو ماكُناش متعلقين، أو خايفين من الوحدة أو الفقد، فالعشرة في حد ذاتها بتخلق نوع من التعود، وبيبقى صعب على أغلبنا إننا نبعد عن حاجة اتعودنا عليها. ده غير طبعاً مشكلة الاعتمادية أو إدمان العلاقات اللي بتصعب على اللي بيعانوا منها إنهم يتخلصوا من العلاقات المؤذية في حياتهم بشكل نهائي، وعشان كل الأسباب دي أو غيرها ممكن نكون أحياناً بنلجأ لحاجة بسميها "تجميد العلاقات" لأننا مش قادرين نبعد ونحط نهاية واضحة لعلاقاتنا، وممكن نعمل ده بوعي، أو حتى بدون وعي مننا.


وتجميد العلاقات ده ببساطة هو إننا نخلي العلاقة متعلقة: لا احنا قريبين… ولا احنا بُعاد. وممكن نبقى موجودين في العلاقة دي بس بجسمنا، لكن من جوانا إحنا فصلنا روحنا، ومابقيناش موجودين بجد في العلاقة. وبرغم إننا بنكون خلاص فقدنا اهتمامنا، بس بنفضل مكملين نعمل اللي متعودين عليه بشكل روتيني جامد من غير أي روح أو طعم.


وحتى لو طرف من العلاقة دي ابتدى يحس إن فيه حاجة متغيرة، وماكانش مرتاح لده، ممكن هو كمان يختار ينكر ويسكت، عشان خايف يواجه نفسه بالحقيقة ويخسر العلاقة نهائي، فممكن يسكتوا هما الأتنين ويكملوا عادي، كإن بينهم اتفاق غير مُعلن إنهم يجمدوا العلاقة، أو يحطوها على أجهزة صناعية، عشان مايشوفوش إنها خلاص ماتت، لأن ساعتها هيضطروا ينهوها، ويدفنوها ويعملوا جنازة، فبيسبوها بين الموت والحياة، لا هي محصلة عايشة... ولا حتى ميتة!


والموضوع كمان بيبقى مؤلم وأصعب لو طرف واحد بس هو اللي فصل نفسه عن العلاقة، لأن ساعتها الطرف التاني بيكمل يدي ويهتم، بما إن العلاقة شكلها من برة زي ما هي، والطرف اللي قدامه لسة موجود وماشتكاش ولا قال أي حاجة، ولو ابتدى يحس إن فيه حاجة متغيرة، وإدراكه لده وجعه وقرر يواجه، ممكن الطرف التاني يكون ماعندوش استعداد للمواجهة والخسارة.


وبرغم إن مواجهة حقيقة الفقد ده شيء مؤلم قوي في الأول، لكن تجميد العلاقات مؤذي جداً، ومُكلف قوي على المدى الطويل، لأننا بنفضل مضيعين عمرنا وطاقتنا على علاقات مفيش منها أمل، لكن طول ما احنا مستمرين فيها بنبقى عايشين على أمل وهمي إنها ممكن تتصلح. 


ومع إن الدنيا مع الوقت بتفضل تسوء، بس بنفضل متعلقين، لأن جوانا أمل سحري إن الوضع ده ممكن يتغير، وممكن نكون عايشين على الأطلال والحاجات الحلوة اللي كانت موجودة في الأول، ومتوقعين إن الحاجات دي ممكن ترجع، فبنفضل ماسكين فيها ومستنينها، وبنضحك على نفسنا، وندي أعذار في كل مرة بيحصل فيها حاجة عكس توقعاتنا، ونفضل طول عمرنا في دايرة مابتخلصش من الانتظار والتوقع... والخذلان والوجع.


وبرغم إن ممكن الطرفين، أو على الأقل طرف واحد مابقاش أصلاً موجود في العلاقة، بس فيه ناس بتبقى حاسة إن وجعها ده أرحم من وجع الفقد أو الوحدة، مع إن الحقيقة إن وجع الفقد ده وجع مؤقت، ومهما طول مسيرة في يوم هينتهي، لكن طول ما احنا لسة مكملين في علاقة خلاص انتهت صلاحيتها، عمر ما وجعنا هيروح… وهيفضل مستمر.


وممكن ناس تكون مستمرة في علاقة، وحاسين فيها بالوحدة من كتر ما هما مش متشافين فيها، برغم إنك لما تكون لوحدك فعلاً، ده أرحم من إنك تكون مع حد مش شايفك أصلاً، وحاسس معاه إنك لوحدك، لأن ساعتها بيبقى لسة عندك توقعات، وبيصعب عليك إن اللي معاك مايكونش مُهتم.


ولو احنا واجهنا نفسنا، هنكتشف إن كل اللي خايفين إنه يحصل لو فقدنا العلاقة، هو أصلاً حاصل، لأن الحقيقة إننا فقدنا العلاقة دي من زمان قوي، واللي موجود دلوقت ده بس جثة مفيهاش روح ولا بتحس، واحنا بس اللي بنضحك على روحنا عشان مانتوجعش، مع إن الوجع إحنا كده كده حاسينه، بس الخوف هو اللي مانعنا إننا نواجه الفقد وننوح عليه شوية وقت. 


ورجوعاً للاقتباس اللي بدأت بيه المقال من فيلم "Eat Pray Love"، فأنا حبة أختم بالرسالة اللي بعتتها البطلة رداً على الكلام اللي كان قايلهولها حبيبها:

"عزيزي (دايفيد) لم نتواصل أبداً منذ بعض الوقت مما أعطاني الوقت الذي أحتاجه للتفكير

أتذكُر حين قلت إن علينا أن نعيش معاً تعيسين لنكون سعيدين؟ 

اعتبر ذلك دليلاً على مدى حبي لك كوني أمضيت فترة طويلة وأنا أسكب نفسي في ذلك العرض بهدف إنجاحه

لكن صديق لي أخذني إلى أروع مكان باليوم السابق، يسمى المكان قبر (أوغسطين)

بناه (أوكتافيان أوغسطين) ليضم رفاته 

عند مجيء البربر حطموه مع كل شيء آخر

(أوغسطين) العظيم أول إمبراطور كبير ل(روما) كيف كان له أن يتخيل أن (روما) أي العالم كله بالنسبة إليه سيكون يوماً حطاماً؟

إنه أحد أكثر الأماكن هدوءاً وعزلة في (روما)

نمت المدينة من حوله على مرّ العصور

يمنحك شعوراً كأنه جرح غالي، كألم في القلب نرفض التخلي عنه لأنه يؤلمنا بشكل رائع

كلنا نريد أن تبقى الأمور على حالها يا (ديفيد)

نقبل حياة البؤس لأننا نخشى التغيير، وأن ينهار العالم من حولنا

ثم نظرت حولي في هذا المكان وإلى الفوضى التي تحملها

الطريقة التي تم التعامل معه فيها من حرق ونهب إلى إعادة البناء… حينئذ اطمأنيت

ربما لم تكن حياتي فوضوية جداً، لكن العالم هو كذلك

والفخ الحقيقي هو التعلق بأي شيء منه

الدمار نعمة... الدمار هو الطريق إلى التحول

حتى في هذه المدينة الأبدية، علمني قبر (أوغسطين) أن نكون دائماً مستعدين لموجات التغيير اللامحدودة

كلانا نستحق أفضل من أن نبقى معاً لأننا نخشى أن نتدمر إن لم نفعل."


وفي النهاية إحنا علينا إننا نختار ألمنا، ويا نختار نستحمل ألم الفقد… يا نفضل باقي عمرنا متألمين، وحياتنا بتضيع واحنا ماسكين في جثة.


ماري منير 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أنا بكره ربنا!

الحب والاحتياج